المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

الجوفة والجواسرة

 

ربا زيدانحمزة عبيداتمحمد دويرج

" ياريت لو كانوا اولادي بالمدارس بدل ما هم دايرين يجمعوا علب الفيفا من الشوارع"، يقول أبو كايد الذي يقطن وعائلته المكونة من خمسة أشخاص بناءاً مدمرا ًبالكامل لا يرقى الى ما يمكن تسميته مسكناً.  أبو كايد واسمه الحقيقي محمد الدوايمة يشكو ضيق الحال، والمرض وقلة الحيلة، لكن أكثر ما يؤرق مضجعه هو عدم تمكن أبنائه الثلاثة من الالتحاق بالدراسة، وذلك لعدم وجود أية أوراق ثبوتية بحوزتهم.

" لا يمتلكون حتى شهادات ميلاد ، وليس لدي رقم وطني، جلً ما أحلم به هو بيت صغير يسترني واياهم" يقول وهو يشير الى ركبتيه اللتان لا تحملانه لأكثر من خطوات. فبعد أن أقعده الشلل، عجز عن توفير لقمة العيش لعائلته واضطر أبنائه وأكبرهم كايد الذي لا يتجاوز الثانية عشرة  من العمر، بالتنبيش هنا وهناك عن أي مورد يقتاتون منه.

كايد، الذي يقول أنه يحفظ بعض الأحرف التي تعلمها في الروضة منذ وقت طويل،  بدا متحمساً للغاية حين جاء ذكر التحاقه بالمدرسة. ويقول الأب انه كان مستعداً لدفع ما يقدر عليه من مبالغ بسيطة في حال تم قبول ابنه في التعليم النظامي.

كثيرون هنا، يمرون بالظروف القاسية ذاتها، في قريتي الجوفة والجواسرة واللواتي لا تبعدان الكثير عن جسر المللك

 

 

حسين الفاصل بين الاردن والاراضي الفلسطينية المحتلة. هاتان القريتان تقبعان قريبا من بلدة الشونة الجنوبية ،حيث تبدو في جنباتها ملامح الفقر والاهمال، ويبلغ تعداد سكان القريتين حوالي 20 الف نسمة وتتبعان اداريا للواء الشونة الجنوبية في محافظة البلقاء، ويبلغ متوسط حجم الاسرة في هاتين القريتين 6 افراد، وتشكل الفئة العمرية دون 15 سنة 40% من سكان هذه المنطقة ،مما يشكل ارتفاعا في مستويات الاعالة حيث يقوم الاطفال غالبا بمساعدة اهاليهم في العمل في المزارع والاعمال اليومية ، الأمر الذي يتسبب أيضاً  في زيادةحالات التسرب من المدارس وتدني التحصيل العلمي للطلبة رغم توفر البنية التحتية الكافيه.

"لدينا مشكلة حقيقية في عمالة الأطفال ، حتى البنات يعملن في مزارع أهاليهن". تقول المرشدة الاجتماعية (ابتهال العدوان) والتي تعمل منذ زمن في مدرسة الجوفة الثانوية للبنات  والتي يبلغ عدد طالباتها ما يقارب 321 طالبة.

وهي تقول أيضا أن الزواج المبكر يخطف نسب عالية من الفتيات ( الصفوف من الثامن الى العاشر) اللواتي يفضل آبائهن تزويجهن على السماح لهن باكمال الصفوف الثانوية.

" لا أعتقد أن الأمر يعود فقط للفقر وللظروف الاقتصادية الصعبة، هي ثقافة مجتمعية"، تقول العدوان قبل ان تذكر لنا احدى الحالات التي صادفتها أثناء عملها كمرشدة اجتماعية.

"حاولت التدخل احدى المرات لاقناع أحد الأهالي بعدم اخراج ابنته من المدرسة وهي في الصف السابع لكنه كان يتبع تقليدا يمنع الفتيات من استكمال دراستهن بعد هذه المرحلة العمرية. لكن وتحت اصرار الأم المستمر تابعت الطالبة دراستها والآن تدؤس في جامعة ( البلقاء) ، لكن الأم وبتعليمات صارمة من الأب، ترافق ابنتها يوميا  الى الجامعة وتنتظرها حتى تفرغ من محاضراتها لتعود معها الى المنزل. كما أنه لا يتحمل  أياً من مصاريف الدراسة بل تعمل ابنته وزوجته فترات طويلة في المشاتل مجاورة لتوفير المصاريف الجامعية".

ورغم تردد مديرة المدرسة ( سماهر العدوان) في التعليق على أي من المشاكل التي تواجهها العملية التعليمية في البادية، الا أنها أكدت ضعف التوجه المهني، واقبال الغالبية على التخصصات الأكاديمية التي لا يجد خريجوها في كثير من الأحيان فرصاً مناسبةً للعمل، في بيئات مغلقة وصغيرة كتلك.

" لا يوجد اقبال حقيقي على التعليم المهني رغم وجود مشغل مجهز بالكامل في المدرسة ورغم افتتاح  مصنع لحياكة الملابس يؤمن فرص عمل للخريجات، لكننا نحاول باستمرار تشجيع الأمهات على تقبل عمل بناتهن في المصنع عبر ترتيب زيارات متعددة للمصنع وترويجه كبيئة أكثر أمنا من المزارع، فهناك يحصلن على حقوقهن التي كفلها قانون العمل الأردني بالكامل". توضح العدوان.

ورغم وجود اتفاقية غير مكتوبة بين فرع التشفيل المهني في مدارس المنطقة وبين مصنع  الملابس يقضي بتوظيف الطالبات فور تخرجهن الا أنه وفقاُ للعدوان فمازال الكثير من الأهل يعارضون ذلك.

ويقدم المصنع القريب من القريتين رواتب مغرية  تبدأ من 220 دينار أردني بالاضافة الى التأمين الصحي والمواصلات ( برنامج مدعوم من قبل مؤسسات US AID ( من المدرسة الى المهن) -بدأ من حوالي 4 سنوات – ومازال مستمراً برفد المصنع بالكوادر الوطنية في محاولة للتقليل من سيطرة العمالة الوافدة على فرص العمل المحلي، وهي مشكلة أخرى تعاني منها المنطقة.

فرغم تصدر الجوفة والجواسرة نسبة العاملين من نسبة السكان الاجمالية  التي تبلغ 48%، الا أن نسبة البطالة تتجاوز 17% كما ان متوسط الدخل السنوي للأسرة في المنطقة (5032.3) دينار، مقارنة بـ(6039.3) دينار على مستوى محافظة البلقاء و(7591) دينار على مستوى المملكة، وبلغ متوسط الإنفاق السنوي للأسرة في المنطقة (5744.1) دينار، مقارنة مع (6977.2) دينار للأسرة في المحافظة، ومقارنة مع (8516.5) دينار للأسرة في المملكة، فيما تبلغ نسبة فجوة الفقر في المنطقة 28% من مجمل نسبة الفقر في منطقة الاغوار بشكل عام.

تقول احدى المعلمات في ثانوية الجواسرة للبنات ( هديل العدوان) أن زوجها حاصل على شهادة جامعية في العلوم السياسية لكنه لم يجد عملا مناسبا  منذ تخرجه، لذا عمد الى الاعتماد على  شهادة الثانوية العامة لتأمين عمل في سلطة الكهرباء .

وتعزو الناشطة الاجتماعية (أحلام عفانه)، صاحبة مبادرة ( أبشر يا وطن) عزوف البعض عن البحث الجاد عن عمل الى تكاسلهم واعتمادهم على المعونات التي تقدمها وزارة التنمية الاجتماعية للكثيرين.

" لا أقول أنه ليس لدينا نسب عالية من الفقر، فالكثير من أبناء المنطقة استحلوا المقابر وحولوها ساحات لللعب، في ظل عدم توفر مرافق كافية. الا أن هذا لم يمنع ركون الكثير من العائلات للمبالغ الضئيلة التي تدفعها الوزارة عوضاً عن بذل جهد حقيقي لتحسين أوضاعهم".

لكن لا يبدو هذا التحليل صحيحاً بالمجمل. فـ (قاسم العجوري) الذي يعاني من فشل كلوي منذ اكثر من 5 سنوات يقول أن الراتب المخصص له من قبل  وزارة التنمية  الاجتماعية لا يتجاوز 180 ديناراً يكفون بالكاد مصاريف أربع بنات تتراوح أعمارهن بين الخمسة سنوات والرابعة عشر.

مديرة المدرسة اشتكت من تغيب بناته المستمر عن دروسهن، لكن واقع الحال يفرض على العجوري أموراً لا يرغب بها لولا ضيق ذات اليد. " والله ما ودي أغيبهن عن دروسهن، بناتي زينب  ورانيا من المتفوقات، بس وين أتركهم لما أروح أغسل كلية، لازم حدا ييجي معي".

ويقطن العجوري منزلا صغيرا مكوناً من غرفة نوم واحدة، ويتحدث بكل مرارة عن رغبته الشديدة في أن تكمل بناتهن تعليمهن، بينما يغطي الذباب وجه ابنته الصغرى، اخلاص التي تستلقي على أرض الغرفة العاري تحت سقف مشقق ، في انتظار عودة والدتها من المشتل،حيث تذهب يومياُ للعمل.

وقد تبين لنا من المشاهدات الكثيرة واللقاءات التي أجريناها مع العديد من الأهالي، ومن زياراتنا لأكثر من مدرسة متفرقة، أن المشكلة الحقيقية تكمن في الثقافة المجتمعية وقناعات الأهل لا في انعدام البنية التحتية أو وجود اهمال من الوزارة كما يروج البعض.

" جميع ما ذكر في الصحافة المحلية حول انقطاع التيار الكهربائي في مدرسة الجوفة الثانوية الشاملة للبنين غير صحيح" يقول (د. عبدالله العمايرة)، مدير تربية الشونة الجنوبية، والذي رافقنا في زياراتنا الى المدارس في منطقتي الجوفة والجواسرة.

" ما حدث مؤخراً من اطلاق النار على المولد الكهربائي الذي يمد المدرسة بالطاقة كان من قبل أهالي الطلبة من العشائر الذين رغبوا تعطيل عملية سير امتحانات الثانوية العامة، وتعطيل اجهزة التشويش التي تعتمدها الوزارة سنوياً لمنع عمليات الغش في القاعات المخصصة للانتخابات". يؤكد العمايرة الذي يقول أنه رفض رفضاً قاطعا استبدال المولد على نفقة الوزارة ، مما دفع أهالي الطلبة في النهاية وبعد توقف دام أكثر من 3 أشهر الى استبدال المولد الكهربائي على نفقهتم الخاصة.

" لم أتمكن من تحديد هوية الفاعل، ولم يتحدث أحد منهم، لذا اضطروا أخيرا الى استبدال المولد الذي كلفهم حوالي 18 ألف دينار حتى يتمكن أولادهم من متابعة الدراسة."

وتعد هذه المدرسة التي أنشأت في فبراير 2013 واحدة من 28 مدرسة الكترونية بالكامل، تعتمد سياسة المدرسة المجتمعية والتي تعنى باشراك الأهالي في الكثير من الأنشطة التطوعية والفعاليات التي تقيمها المدرسة. وهذا ما يؤكده السيد ( علي النمور) مدير المدرسة والذي بدا فخوراُ وهو يتجول بنا على مرافق المدرسة من مختبرات علمية ومسرح وقاعات لعب، وغيرها من الغرف الصفية التي تمتلأ بأحدث التقنيات التعليمية.

" هذه مدرسة من طراز مختلف، يحصل كل من المعلمين على جهاز حاسوب محمول لدى التحاقه بالعمل هنا، كما أن طلبتنا يتم تدريبهم على استخدام أحدث التقنيات بشكل مستمر". يقول النمور.

" أفضل استخدام اللوح التفاعلي الذكي، في شرح المواد المطلوبة " يقول ( مالك خريص)، أحد طلبة المدرسة والذي قاطعناه أثناء تقديمه عرضا الكترونياً لزملائه في حصة الحاسوب. 570 طالبا يتوزعون على الصفوف من الرابع حتى التوجيهي يأتون الى هذه المدرسة المراقبة بالكامل بالكاميرات المتصلة بغرفة تحكم رئيسية. ويعد التدريب على استخدام التقنيات الحديثة أمرا مهما في مجتمع تبلغ نسبة امتلاك حاسوب شخصي  فيه حوالي 12% بحسب احصاءات عام 2008 وهي نسبة متدنية وتشير الى عدم التفاعل مع التكنولوجيا الحديثه.

والجدير بالذكر أن عدد المدارس في لواء الشونة الجنوبي يبلغ  (41) مدرسة منها (35) مدرسة حكومية(14) مدرسة للذكور و(3) مدارس للإناث (18)مدرسة مختلطة منها (31) مبنى مدارس ملك لوزارة التربية والتعليم (4) مدرسة مستأجرة.

وفيما يؤكد العمايرة رضاه التام عن العملية التعليمية في المنطقة، فيما يتعلق بالصفوف التي تسبق الثانوية العامة، الا أنه يعزو أسباب العنف الجامعي لنظام التوجيهي ولعملية الامتحانات التي تفرز في كثير من الأحيان طلابا لا يستحقون المعدلات التي حصلوا عليها ولا يستطيعون اكمال دراستهم في التخصصات الجامعية  التي اختاروها.

وهو يقول أنه رغم الفقر الذي تعاني منه منطقة الجواسرة الا ان هناك العديد من المدارس الجيدة ذات البنية التحتية الملائمة، والكوادر الكافية، الأمر الذي لمسناه بأنفسنا حين كنا هناك.

ويمكن للزائر لهذه المنطقة أن يلحظ بالفعل أنها قد حظيت لربما بقسط وافر من المشاريع التنموية التي مولتها منظمات غير ربحية قادمة من دول ككوريا والولابات المتحدة الأمريكية وغيرها من المبادرات المجتمعية الشبابية التي تتزايد باستمرار، ورغم تكتم العمايرة على نسب النجاح السنوية ضمن منطقته، والحديث المتكرر من قبل الصحافة عن ضعف مخرجات التعليم الحكومي في تلك المناطق، الا أن ما توصلنا اليه هو أن العملية التنموية لا بد أن تبدأ  من المنزل. ففي مجتمعات محافظة كتلك، يبدو أن العوائق التي تمنع الكثيرات والكثيرين من الوصول الى مقاعد الدراسة الجامعية تندرج على الأغلب تحت عباءة العادات والأعراف المجتمعية وليس لنقص حقيقي في الموارد والمخصصات المالية المقدمة لوزارة التربية والتعليم هناك.

لكن الأمر لا يخلو دون شك من حاجة حقيقية لأن تبذل وزارة الشؤون الاجتماعية والتنموية جهداً أكثر في تحسين أوضاع الكثير من العائلات التي تبدي رغبة صادقة في تعليم أولادها لكنها وللظروف المادية القاسية قد لا تتمكن من ذلك في الكثير من الأحيان.

" أحب الذهاب الى المدرسة، لكنني أشعر بالخجل والحزن حين يطلب مني تحضير واجباتي المدرسية باستخدام الخاسوب، فلا أملك حاسوبا في المنزل"، كان آخر ما قالته زينب قبل أن نغادر منزل عائلتها المتواضع.

 

 

 

 

التصنيف: تقارير صحافية

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات