المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

صمّا، "فيها الخبز مرمى"

مالك المقابلة 

إلى الغرب من محافظة إربد شماليّ الأردن، وفوق هضبة شبه منبسطة من سلسلة جبال الشام، تقع بلدة صَمَّا، إذ تشرف على الأغوار وتقابل سهول فلسطين وجبالها من جهة، وجبال هضبة الجولان من جهة أخرى.

تقع هذه البلدة في منطقة ذات تضاريس غاية في الروعة والجمال، فيها السهول والهضاب والأودية والتلال، وفيها الصخور الصلبة والمتينة التي اشتُقَّ اسم صَمَّا منها؛ كما قال المهندس المعماري والرحالة الألماني غوتليب شوماخر.

وقال مختار صمَّا سالم موسى الذي بلغ سنه حاجز الـ 100، إنه ما زال يتذكّر إحدى اللحظات التي لا يمكن له أن ينساها، والتي تعدُّ جزءًا من الهوية الثقافية التي تتمتع بها صَمَّا، ففي عام 1946 زار الملك المؤسس عبد الله الأول البلد وحضر معه عددٌ من كبار رجالات الدولة آنذاك، وبعد استقبالهم وجلوسهم في أماكنهم، جرى في الخارج سباقٌ للخيل أعجب المغفور به، وبعد انتهائه طلب أن يحصل على الحصان الذي فاز في السباق، وقُدِّم له ووُثِّق هذا الأمر في أرشيف الديوان الملكي العامر.

وأكّد النائب الأسبق عاكف المقبل أنه فخورٌ بأهل بلده وممتنٌ لهم، ولن ينسى ما قاموا به إبّان ترشحه للانتخابات النيابية عام 2010، إذ جسّدوا أروع معاني التعاون وكانوا أسرة واحدة رغم تعدد العشائر في البلد ووصولها إلى 24 عشيرة، ولم يتوانوا عن تقديم كل سبل الدعم المعنوي والمادي، وشكّلوا نموذجًا يحتذى به في القرى والبلدات المجاورة.

وأضاف المقبل أن التسامح والتعاون والكرم أبرز ما يتمتع به الناس هنا، وهناك شواهد كثيرة على ذلك، لعلّ أبرزها ما قاله سمو الأمير الحسن بن طلال في زياراته المتكررة إلى هنا: "صَمَّا فيها الخبز مرمّى"؛ دلالة على كرم أبناء هذا البلد، إذ أصبح هذا الشعار محل فخر لهم أينما ذهبوا.

وأوضح المقبل أنّه يكاد لا يخلو جزء في هذا المكان من المشاهد الثقافية المتعدّدة، فالناس هنا ما زالوا متمسكين بإرثهم الثقافي، الذي توارثوه عن آبائهم ومن قبلهم أجدادهم، إذ تحوّلت معظم العادات والتقاليد إلى ثقافة سائدة في المجتمع.

وقال أستاذ الشريعة في جامعة العلوم الإسلامية أحمد البشايرة إن تاريخ بناء أول مسجد في البلد يعود إلى ما قبل 147 عامًا، وشيدته مجموعة من أبناء مدينة صفد في فلسطين القريبة من صَمَّا، وكذلك بنَوا ما يعرف بـ"العَقِد" (وهو بناء لا يوجد في جدرانه أي أعمدة ويرتكز على عُقدةٍ واحدة تقع في منتصفه).


وأشار البشايرة إلى أنّ هذا المكان سيبقى حاضرًا في أذهان الكثير من سكان البلد، لكونه شاهدًا على شجاعة الأبطال الذين كانوا يؤوون الثوّار الفلسطينيين فيه، وكانوا ينطلقون منه ليلًا مع الثوّار إلى المستوطنات القريبة من صَمَّا.


وذكر رياض نايل -مالك أقدم معصرة زيتون في المنطقة- أن موسم قطاف الزيتون هنا يحظى باهتمام بالغ ويتمتع بطقوس جميلة، تسودها مساعدة الناس بعضهم بعضًا وسط الأهازيج وبعض الأغاني الشعبية التي يعشقها المزارعون وهي بمنزلة موروث ثقافي لديهم.

وأوضح نايل أن معصرته التي ورثها عن أجداده، بدأ العمل فيها قبل أكثر من 70 عامًا، إذ كانت تعمل على دوران الخيل حول حجري الهرس اللذين يزنان أكثر من طن، ثم تطوّرت عمليات هرس ثمار الزيتون وأصبحت تدور على الكهرباء.


وأشار نايل إلى أن الناس يفضّلون عصر ثمار الزيتون في معصرته، على أن يذهبوا للمعاصر الحديثة، لتميّز الزيت المعصور فيها بنكهة فريدة وخالية من أي أحماض. لكن بسبب الأحداث في سوريا توقفت المعصرة عن العمل، نظرًا لعدم توافر قطاع غيار إلاّ فيها، ولا نستطيع في الوقت الحالي إحضارها بسبب الأوضاع هناك.


واختتم نايل حديثه قائلًا: "عرض عليّ قبل مدّة رجل أعمال لبناني شراء المعصرة لغاية استخدامها لصنع نبيذ العنب، لكنّي رفضت ذلك، لأنها جزءٌ من ثقافة بلدي وهويتها، فالثقافة ليست مادية فقط إنّما هناك ثقافة لا مادية، وهي مجموعة من العادات والتقاليد والقيم التي تترسخ فينا، وتتحول فيما بعد لصورة ثقافية ترسخ في عقولنا ومن الصعب أن تزول".

 

* الصورة من الانترنت 

التصنيف: محليات

أضف تعليق

لا يوجد تعليقات