المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

شغفٌ ينفخ الروح في القصب الأردني

 أناهيد فياض

كانت له مشاركة في نشاط ثقافي أقيم في منتزه عام للتحدث عن مشروعه "بيت الناي".  أمسك قصبة ورفعها عالياً وسأل الحضور، من منكم يعرف مالذي أحمله؟ أجابه أحدهم (بامبو) وهتف آخر (قصب سكر) بينما قال طفل (إنها عصا).

جواب كالجواب الأخير هو ما دفع ربيع زريقات، الريادي الاجتماعي، للتفكير بمشروعه الجديد.

يعتقد ربيع أنه عندما لا يرى طفل أردني في قصبة إلا عصا، ما هو إلا مؤشر لا يستهان به على مدى انسلاخنا عن محيطنا وبيئتنا وأرضنا وثقافتنا، وجهلنا في فهم مواردنا. يقول ربيع، "عندما سألت أثناء تواجدي في الغور مالذي يمكن صنعه من القصب؟ جاءتني الأجوبة كالتالي: عريشة، سقف بيت، شبابة للعزف، عكازة، قلم للخط العربي، سلال، ديكورات وزينة.

يقوم ربيع زريقات (38 سنة) بالعمل المجتمعي منذ قرابة الأربعة عشر عاماً. ساهم في إطلاق عدة مبادرات كان على رأسها مبادرة "ذكرى" للسياحة التبادلية.

القائمون على المبادرة يعرّفونها بأنها نوع جديد من السياحة يعمل على تغيير النظم الاجتماعية الحالية لتصبح أكثر عدالة ولتضم جميع قطاعات المجتمع. تساعد مجتمع الريف المهمش على اكتشاف ثرائه وتأخذ مجتمع المدينة بعيداُ عن ترفه. من خلال السياحة يشترك كلا الطرفين في عملية تبادل يتعلم منها الجميع، دون أن يأخذ طرف دور البطل المنقذ ويُوضع الطرف الآخر في موقع المستكين العاجز. كما يتم استثمار عائد النشاط السياحي في تنمية المجتمعات المهمشة مما يعمل على تضييق الفجوة الاقتصادية بين مناطق الأردن.

بدلاً من البحث عن احتياجات أهل المناطق الأقل حظاً وتلبيتها، تفضل "ذكرى" مساعدة الناس على إدراك مواردهم والاستفادة منها.

بآلية التفكير هذه بدأ ربيع أحدث مشاريعه، "بيت الناي". فمنذ صغره كان مهتماً بآلة الناي وبشكلها وبصوتها وبتقاسيمها الموسيقية. وقبل سنتين قرر أن يتعلم العزف عليها باحتراف، لكنّه عندما أراد شراء ناي احترافي تفاجأ بعدم توفر الآلة في الأردن، واضطر لاستيرادها من سوريا، وقد كلفه الأمر إضافة إلى ثمنها وثمن توصيلها مبلغاً إضافياً لرسوم الجمرك.

وعند هذه النقطة تحديداً نستذكر الجدل في الأوساط الثقافية الذي أثاره إقرار مجلس النواب في عام 2012 لقانون تقدمت به الحكومة يفرض ضريبة إضافية على الأدوات الموسيقية ولوازمها وأجزائها، معتبراّ الآلات الموسيقية من الكماليات الرفاهية عندما صُنّفت في خانة الفرو والجلود والألماس.

بالرجوع إلى الموقع الإلكتروني لدائرة الجمارك وبشرح تفصيلي من موظف في الدائرة، نجد أن الرسوم الجمركية على استيراد الآلات الموسيقية تبلغ 30% من سعر القطعة بعد الشحن ويضاف إليها 16% ضريبة مبيعات و5% خدمات، وهناك بنود أخرى متغيرة بحسب المستورِد إن كان فرداً أو شركة مسجلة. أي أن نسبة الرسوم المضافة على سعر الآلة تفوق 50 % من سعرها الأصلي.

تعجّب ربيع من أنّ الأردن لا يقوم بتصنيع آلة الناي وهو يعلم بحكم عمله في الأغوار أن القصب البري متوفر في الأردن. يقول إنه كان هناك انطباع سائد أنّ نوعية القصب الأردني لا تصلح لصنع الناي. لكن ذلك لم يمنعه عن التدقيق في الموضوع. وبعد دراسة متوسعة وممارسة مستمرة أصبح ملماً بطريقة صنع الآلة وبالتالي بالمواصفات التي يجب توفرها في القصب الذي تصنع منه، وتأكد أن باستطاعته استخدام القصب الأردني في ذلك.

يشبّه ربيع البحث عن القصب المناسب لصنع الناي بالصيد البري. يخرج لاستكشاف الأماكن التي ينمو فيها القصب، ويبحث بين القصب عن مراده. يأخذ بعين الاعتبار سماكة القصبة وعدد عقدها، وبعدها ينتقل إلى المراحل الأخرى كالتنشيف والتجفيف والتشذيب.

مشكلة أخرى واجهته في صنع الناي تتلخص في عدم توفر أدوات الصنع. لذلك عمل على تطوير مثقاب خاص ليحفر به ثقوب الناي واستعان بحداد لصنع مخرطة بمسننات خاصة يستعملها في مشغله الخاص.

قام ربيع بالشراكة مع الموسيقي ليث سليمان الذي علّمه العزف، بتأسيس مركز "بيت الناي" في اللويبدة كورشة لتصنيع الناي ومركز لتعليم العزف عليه. سليمان يُعنى بالجانب الأكاديمي، بينما يُعنى ربيع بالبعد المجتمعي لإرساء الهوية الموسيقية الشعبية.

المشروع الحالي لبيت الناي يقوم على تقديم منح لثمانية أشخاص من مختلف أنحاء الأردن يعزفون الناي ببراعة متوسطة. وسيتم تأهيلهم على مدى عام كامل ليصبحوا بدروهم قادرين على تعليم العزف، إمّا في بيت الناي أو في مشاريع خاصة في مناطقهم يؤسسها لهم المركز. هذا بالإضافة إلى جولة يقوم بها ربيع في 16 منطقة حول الأردن، يعطي في كل منها سبع جلسات تعريفية على العزف على الناي وكيفية تصنيعها وربطها بالثقافة المحلية، ويترك في المنطقة مثقاباً كالذي صنعه ليستخدمه أهل المنطقة بدورهم في صنع آلاتهم.

ويؤكد ربيع أنه يعتمد فقط على التمويل المحلي في مشروعه، ولكنه يأسف بأن يكون هذا التمويل من جهات خاصة فقط. يقول، "لم أجد أي تجاوب مع مشروعي من المؤسسات العامة المختصة عندما كان في طور الفكرة، ولم أتلق أي دعم مادي أو معنوي. حتى بعد تأسيس "بيت الناي" لم يتم التواصل معي بخصوص أي شراكة أو تعاون".

عن رأيها في هذا الموضوع سألنا وزيرة الثقافة السابقة بسمة النسور فقالت، "هناك ضعف كبير في الدعم الرسمي للمبادرات الثقافية الشابة. والأمر مرتبط بأولويات الدولة في ظلّ ظروف اقتصادية ضاغطة، تجعل الالتفات للقضايا الثقافية يبدو كنوع من الترف في نظر الشارع الذي ينظر بعين الاستخفاف لأهمية دور الثقافة في نهضة الشعوب".

وأضافت النسور أن وزارة الثقافة تعتبر وزارة سيادية في دول متقدمة، تخصص لها ميزانيات ضخمة، لقناعة تلك الدول بالدور المحوري الذي تلعبه الثقافة في تشكيل وعي الأفراد، بينما في العالم العربي، وهو الأكثر حاجة  لتوظيف مفردات الثقافة والفنون في تطوير مجتمعاته، نجد أنّ وزارات الثقافة  محدودة الميزانية، غير قادرة على إحداث فرق حقيقي، دورها محصور في نطاق النخب الثقافية غير المؤثرة أصلاً. "وهنا يبرز دور القطاع الخاص في سد هذه الفجوة الخطيرة من خلال تبني المبادرات الثقافية ودعمها بكل السبل الممكنة"، كما قالت النسور.

في عودة إلى الناي، تلك الآلة التي يعود استخدامها إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، فهي أول آلة نفخية عرفها التاريخ. وقد عزف عليها الفارابي ومن قبله رابعة العدوية، وبفضل جلال الدين الرومي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالصوفية. يشبّهها ربيع بالإنسان  "ليس للناي شكل موحد كبقية الآلات. لكل ناي خصوصيتها بحسب سماكتها وصلابتها و وتفاعل خشبها مع اهتزازات الصوت. ولكل ناي "شخصيتها" و صوتها الخاص، قد يكون شكلها منمقاً ومشذباً لكن أصواتها محدودة، وقد تكون معوجةً لكن مساحاتها الموسيقية واسعة".

هكذا ترجم ربيع الشاب الثلاثيني شغفه بالناي، وهكذا عبر عن إيمانه بأن التواصل مع التراث لا يتنافى مع التطور الثقافي بل إنه مصدر غِنى قابل للاستثمار على حد تعبيره ويضيف " يفرحني أنّ عازفين مشهورين الآن يستخدمون نايات من صنعي. ويفرحني أكثر أن يستعيد كثير من طلابنا تواصلهم مع الموسيقى الشرقية. ويثلج صدري أن أراقب كيف يخلق الناي تواصلاً بين ثقافتين، أو بين جيلين. يعود طفل إلى منزله حاملاً نايه التي صنعها بنفسه، ويراه جدّه أو جدّته ويقول أهذه شبابة؟ ليفاجئ الطفل بأن أحداً من أهله يعزف أيضاً على تلك الآلة، وهكذا يبدأ تبادل القصص والذكريات".

التصنيف: ثقافات

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات