المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

التُّحَف الشرقيّة.. تاريخ عريق مُهدّد بالزوال

التُّحَف الشرقيّة.. تاريخ عريق مُهدّد بالزوال

 

- كتابة وتصوير: سلام برجاق

 

أكثر ما يميّز شوارع الأردن هي تلك المحال القديمة التي تنتشر في أرجائها، والتي عندما تدخلها تفوح منها رائحة القديم والعتيق، تلك الرائحة التي تتشبّث بالماضي وتحارب وسط الحاضر وسرعة أيّامه، تلك الرائحة التي تحمل الكثير من الذكريات المحفورة في العقل الأردني وتأبى الرحيل عنه، ولكن إنْ واجهتها عاصفة أقوى من قدراتها وتخلّى أصحابها عنها فبكلّ تأكيد ستُنسى وتضيع وسط الزحام.

هذا ما حصل مع محلات التحف الشرقية، تلك المحال التي تحمل على رفوفها قطعاً عتيقة تُعرَف بالعامية بـ “الأنتيكة" والتي لها دلالاتها التاريخية والتراثية والتي تحمل هوية بلدٍ بأكمله، وتتواجد في كلّ منزل وتنتقل من جيلٍ إلى جيل، ولكنها خلال العام الحالي بدأت تتراجع وتصبح في طيّ النسيان شيئاً فشيئاً.

تتركز محال التحف الشرقيّة التي يرتادها السيّاح من جميع أنحاء العالم، في منطقة وسط البلد، وأكثر ما يجذب الناس هناك هو تلك القطع التي تُعبّر عن إرثٍ عريقٍ من قطع أثريّة وسجّاد وفوانيس وخناجر وغيرها الكثير.

 خلال رحلتك في تلك المنطقة ستصادف محلاً صغيراً في أحد شوارع البلد يُدعى "بازار الشبلي" وبجانبه كرسي صغير يجلس عليه الحاج بسام الشبلي وسط تُحَفه.

 كانت بدايات المحل في عام 1978 أي منذ قرابة 42 سنة، كان المحل متخصّصاً ببيع الألبسة لأنها قديماً لم تكن متواجدة في كل مكان بل كان الأشخاص يفضلون المجيء للبلد لما يتميّز به من تنوّع الأقمشة والملابس.

شيئاً فشيئاً تغيّر السوق وقرّر الشبلي التغيير معه، عندها بدأت رحلته مع التحف الشرقيّة التي قاربت العشرين سنة. أحبّ هذه المهنة، ويوماً بعد يوم تعلّق بها ووجد أنّ الاقبال عليها يُعادل بيع الملابس، ولكن هذه المرة التعامل مع الأردنيّين كان أقل أمّا التعامل الأكبر فكان مع الأجانب والمغتربين الذين يأتون لأخذ الهدايا والتذكارات أو للتعرّف على ثقافة البلد بشكلٍ أكبر.

 

حال الحاج الشبلي كحال الكثيرين الذين تعرّضوا للخسائر خلال هذه الجائحة، حبّه وتعلقه بمهنته جعلاه لا يتخيل أن يأتي اليوم الذي يُصبح محله فارغاً من الزبائن، ليبقى هو وحيداً وسطه يمسح عنه الغُبار.

يعتمد قطاع بيع التحف الشرقية وبشكل كبير على السياحة ولكن مع توقفها ومع غياب السائحين أصبح التجّار يفتحون محالهم بحثاً عن أي عابرٍ ليطرق الباب ويشتري، وليس ليتطلّع على جماليّة القطع ثم يولي ذاهباً بعدها.

وصف الشبلي الوضع المأساوي الذي وصلت له هذه التجارة قائلاً إنّه لو أُتيحت له الفرصة لإيجاد بديل فسيختار هذا البديل فوراً، مُعبّراً عمّا يجول بخاطره بكلمات بسيطة مكسورة الخاطر "قاعدين.. لا بيعة ولا شروة".

 

بدايات "أبو عبد الله" مع محله لم تكن مختلفة كثيراً عن بدايات الحاج الشبلي، بداية عام 2000 كان متخصّصاً ببيع الأدوات المنزلية ثم تحوّل إلى بيع التحف الشرقيّة، التي وصفها أنها تجارة مربحة في بداياتها وساهمت بفتح الكثير من المحال وتُعدّ مصدر رزق للعديد من العائلات، وكانت مساهمة بشكل كبير بالاقتصاد الوطني من خلال دفع الضرائب والتراخيص، ولكن مع التأثر الاقتصادي وتراجع السياحة أصبحت مجرّد محاولة للبحث عن أيّ أمل متبقٍ.

يرى أبو عبد الله أنّ هذه المهنة من المهن الجميلة والمجدية ويُعدّ دخلها جيداً للشخص ولكن سلبياتها عديدة منها أنها تتأثر بأيّة عاصفة تضرب العالم.

ووفق حديثه لي ذكر أنّ وزير السياحة والآثار نايف الفايز عمل على إنشاء صندوق لدعم القطاع السياحي، الذي يُعدّ قطاع التُحَف الشرقية جزءاً منه، بمقدار 20 مليون دينار ولكن، وحسب تعبيره، فإنّ هذا المبلغ غير كافٍ لتعويض الضرر الذي طال هذا القطاع الضخم.

خلال جائحة كورونا معظم دول العالم ساهمت في دعم الأنشطة التي تضرّرت لأنها توقفت قرابة سنة كاملة عن العمل، لذا يجب أن تكون هناك خطط طويلة الأجل لإصلاح هذا القطاع لأنّ صاحب المحل يدفع ما عليه من ضرائب، وترخيص، وأجور للموظفين، ولكن دون تقديم أي حلول أو دعم من الجهة الأخرى لتساعد أصحاب المحلات للوقوف على أقدامهم في وجه هذه الجائحة.

وطرح أبو عبد الله سؤالاً بكلّ أسى: "إلى متى سيبقى يُستنزَف صاحب المحل؟"، فعندما يتم مطالبة قطاع بدفع ما عليه من التزامات في وضع صعب سيكون من الصعب تلبية هذه الالتزامات وبالتالي سيؤدي إلى خروج التاجر من السوق وهذا ليس من مصلحة الاقتصاد الوطني.

 

لم تتعارض أقوال زياد القصيباتي (56 سنة) مع سابقيه، فهو أحد العاملين في هذه المهنة في محلات القصيباتي منذ 21 سنة، وقال إنّ قضية التحف الشرقية قضية كبيرة، فهي تعتمد على الصناعة الخارجية أكثر من الداخلية.

حدثني القصيباتي بحزن عن الصعوبات الإضافية التي تتعرّض لها المهنة، أحدها غلاء القطع محلية الصنع، لذا يلجأ التجار إلى شراء القطع من الخارج التي تكون أقلّ سعراً، وأفضل جودة، وأقرب للمواصفات المطلوبة. "إذا اشترينا دزينة 12 قطعة من الصين سعرها بكون 4 أو 5 دنانير، بينما لو طلبت تصنيع القطع محلياً رح يكون سعر القطعة الواحدة 4 أو 5 دنانير، وما رح تكون بنفس الجودة".

القصيباتي هو أستاذ في إحدى الجامعات لذا يضطر للقدوم إلى محله الساعة الثانية عشرة، ويحمد الله أنه لا يأتي بوقت أبكر إلى المحل "لإنه إن فعل ذلك سيصاب بمرض بسبب خلوّ السوق من الزبائن والبضاعة المتكدّسة أمامه"، ويضيف أنّ محله إن لم يبع في اليوم ما مقداره ألف دينار فهو خاسر. "من شهر 3 ما في يوم بعنا فيه بـ 200 دينار".

أكّد القصيباتي أنّ قطاع السياحة حالياً يواجه معيقات عدّة، وأن غياب الحلول للعمل على تشجيع السياحة سيؤثر بشكل كبير على هذه المهنة، لذا السياحة تحتاج إلى دراسة معمّقة لأن البضاعة كاسدة منذ شهر 3، واليوم يتم البيع "بالمفرّق" بعدما كان يتم البيع بالجملة.

" وين بدنا نروح... بنستنّى الفَرَج"، كان الجواب بحسرة على سبب تمسّكه هو والتجّار بهذه المهنة، وأكدّ أنه لو كان هناك بديل أو وظيفة أخرى فلن يستمرّ في هذه المهنة أبداً، مُشيراً إلى أنّ استمرار الوضع بهذا الشكل ومن دون أيّة خطة للتحسين فالحلّ هو بيع البضاعة بأرخص الأسعار ولو كانت تُعدّ خسارة للتاجر. فالمحل الذي يعمل به القصيباتي يطعم سبع عائلات وحتى لا تجوع هذه العائلات عليهم نهج هذا النهج، فإن لم يبع هذا المحل ولو بخسارة فسيبيع غيره من المحال.

قال القصيباتي: "الظرف الصعب والاستثنائي لم يمرّ فقط على الأردن فقد عانت دول الحرب قبله من الويلات، مثل سوق الحميدية في سوريا، ولكن ورغم الحرب إلا أنه لا يزال يعمل لأنّ هناك خطط لتشجيع السياحة والاستثمار في هذا القطاع".

"الإغلاق" هي الكلمة الوحيدة التي أجابها على سؤال مستقبل هذه المهنة، وأضاف: "في عبارة بالتجارة بنحكيها، وقف الهدر أفضل من الخسارة، لأنه في الخسارة يتمّ هدر وقت وجهد ومال مِنْ لا شيء".

 

*جميع الآراء والأفكار الواردة في هذه التقارير لا تُعبِّر عن موقف معهد الإعلام الأردني وسياسته

التصنيف: ثقافات

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات