المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

لوحات على جدران عَمّان

شذى فيصل العودات

 

في صغري، وعند استيقاظي في الصباح، كنت أنظر إلى جدران الأبنية السكنية حولي في العاصمة عمّان أراها حزينة لا تتكلم، لا تُحدّث أياً منّا، وددت يومها لو أنها تحدثني وتُعبّر عمّا في خاطري، تدافع عن قضايانا، تحيي تراثنا، تذكّرنا بمن تركوا أثراً في هذا البلد، وتعرّفنا على من كان لهم بصمة في التاريخ، تحاول أن تتكلم عوضاً عن البشر الصامتين، حتى أتى ذلك اليوم عام 2013 حين رأيتُ إعلاناً لحفل صغير يشبه "الكرنفال" يقام في الشارع العام يتضمّن رسماً على الجدران .

فرحتُ بشدة وأسرعتُ للتسجيل والمشاركة، وفي يوم الجمعة استيقظت فَرِحة، أسرعت لتجهيز نفسي والذهاب لمنطقة وسط البلد للمشاركة في أوّل "كرنفال" للرسم على الحائط في شارع يزيد بن أبي سفيان (الشارع الذي كان فيه مسرح البلد سابقا)، حيث تواجد العديد من الرسامين، وباعَة الذرة و"الفوشار" وغيرهم، وحتى الحضور مثلي جاء لرؤية أوّل جدارية.. استمرّت الفعالية من الصباح حتى الساعة العاشرة ليلاً وعلى مدار يومين .

..من هنا بدأت حكاية تزيين شوارع عمّان وأصبح فناً عصريّاً يحاكي أفكار الجميع، أطلقت عليه عدّة تسميات كـ "الجداريّات"، و"فن الشارع"، و"الجرافيتي "، وهذا الفن لم يظهر في العصر الحديث فقط، بل اختلفت وتعددت أشكاله وأنواعه منذ القدم، حيث برع الفراعنة في الماضي في رسم أدقّ تفاصيل حياتهم اليوميّة على جدران المعابد والمتاحف التي بقيت لآلاف السنين، إضافة إلى استخدامه من قبل الحضارات الأخرى اليونانية، والرومانية، بعضها حمل رسائل عفوية والآخر روى قصصاً بالنصّ والصورة .

"للجداريّات الفنّية وقع خاص، على قلوب عُشّاق الفن"، بهذا التعبير آثر مدير مسرح البلد رائد عصفور، وصف أهميّة الجداريّات، وقال: «أعتقد أنّ أهمية الجداريّات تكمن في مساحتها، فكلّما اتّسعت المساحة، اتّسع أفق الفنان وقدرته على التعبير، فضلاً عن كونها تسهم في رفع سويّة الذائقة الفنية والبصرية للمتفرّج".

ويضيف: "التطوّر الذي مرّت به تجارب "الجرافيتي" والجداريات، يعكس تطوّر المشهد البصري للمدن، ومدى تطوّرها، وهو ما يتناغم تماماً مع طبيعة العاصمة عمّان التي تجمع ما بين الماضي، والحاضر، والمستقبل".

ويوضح عصفور: "الجداريّات عادة ما تشكّل تحدّياً للفنان، بالنظر إلى اتّساع المساحة التي يسكب عليها ألوانه، وهو ما يتطلّب منه الموازَنة في الأشكال والتعابير"، مُبيّناً  أنّ الجداريّة قادرة على بثّ الروح في الحوائط الخاوية.

إنّ ما يُلوّن شوارع عمّان لا يمارَس بشكلٍ فردي أو عبثي، وإنّما يحتاج رسّاموه لإخراج مواهبهم الفنية إلى موافقة رسمية من الجهات المعنية، مثل أمانة عمّان بوصفها الجهة "المسؤولة عن المدينة بالبشر والحجر والشجر"، كما أكدت المهندسة شيمة التل مديرة البرامج الثقافية في أمانة عمّان الكبرى، أو للمشاركة ضمن فعاليات ومهرجانات فنية وثقافية ، فما زال البعض ينظر إلى هذا الفن كتشويه لجدران الشوارع والمباني وهذا لاختلاف الاهتمامات كما أكدت التل، "وإن كان فنانو الشارع يعيشون نشاطاً فنياً داخل الأماكن المغلقة".

قصّة "الجرافيتي" أو "الفن الصامت" أو "فن الشارع" ظهرت لأوّل مرة كفكرة مطروحة في العاصمة عام 2008 من قبل علا الخالدي ، لكنها لم تحصل على قبول، بعد ذلك بدأت مجموعة من الرسّامين والرسّامات بإعادة طرح الفكرة بمساعدة "مسرح البلد" -مهرجان بلدك -" الفن الجرافيتي "عام 2013، وهنا تمّت الموافقة عليها من قبل أمانة عمّان، كما أكدت التل.

خلال تجوالي في الهاشمي الشمالي، واللويبدة، والصويفية، ووسط البلد، وجدتُ أنّ فنانين تشكيليّين أردنيّين ومن جنسيّات أخرى، بمختلف الأعمار، ترجموا أفكارهم وأفكار مجتمعاتهم المحليّة عبر جداريّات على أبنية، لتزهو جدرانها برسومات ولوحات فنية ضخمة تحاكي ما يشغل فكر الناس.

الفن يمسح عن الروح غبار الحياة اليوميّة

ميرامار النيار، فنانة تشكيلية زَيَّنت شوارع عمّان برسوماتها ذات الألوان الباهية لتوصل رسالتها لأكبر عدد ممكن من الناس.. تؤمن ميرامار بأنّ الفن للجميع، بصرف النظر عن اختلاف ثقافات متلقّيه ولُغاتهم، وتوضح أنّ ردود أفعال الناس "كانت سلبيّة في البدايات" وتستهجن وجودها عند رؤيتها على الرافعة ترسم وتُلوّن.. و"ربما يعود سبب تلك الردود إلى عدم تقبّل فكرة أن ترسم فتاة في الشارع، لكن هذا الأمر جعلني أكثر إصراراً على الرسم والتعبير عن القضايا من خلاله" على حدّ تعبيرها.   

زيّنت ميرامار عَمّان بجداريتين متجاورتين لوجهي الشاعر الفلسطيني الراحل، محمود درويش، والموسيقي اللبناني، مرسيل خليفة، في "درج الكلحة" العريق الواصل بين اللويبدة ووسط البلد تحديداً عند شارع نمر العدوان، الذي يعجّ بالأعمال الفنيّة.

رغم جميع الظروف والتحدّيات التي واجهتها ميرامار خلال عملها والمشاكل التي تعرّضت لها والتي بدأت بالانخفاض سنة تلو السنة، ما زالت تؤمن بأنّ "العدل والمساواة بين الجنسين والعيش بكرامة هو أساس الرسالة الإنسانيّة، ومن هنا تبدأ رسائل الحب والسلام واحترام فكر الآخر".

 

الجداريّات تعبير عن الأفكار بحبّ وسلام

يرى الفنان التشكيلي يزن مسمار أنّ الرسم في الشارع أو "الجرافيتي" يلعب دوراً توعويّاً مهمّاً في قضايا متنوّعة، إلى جانب قوّة الرسالة التي تحملها رسوم الجداريّات من حيث المباشرة في الفكرة وسرعة الوصول لأوسع شريحة من الجمهور، إلى جانب أنه من بين الأنواع القليلة من الفنون التي تسمح بتسليط الضوء على التفاصيل الصغيرة ومعالجتها بشكل مرئيّ ومميّز أمام الجماهير .

يقول المسمار، الذي بدأت قصّته مع الرسم منذ الطفولة، وتطوّرت مهاراته الفنّية خلال فترة الدراسة الجامعيّة: " كنتُ أرسم على جدران الجامعة الداخليّة -جامعة فيلادلفيا- وبعد التخرّج نفّذت عدّة رسمات منها رسمة " الثلاث سمكات" في منطقة "الصويفية" وهذه كانت رسمتي الأولى على الجداريّات" .

*جميع الآراء والأفكار الواردة في هذه التقارير لا تُعبِّر عن موقف معهد الإعلام الأردني وسياسته

 

 

التصنيف: ثقافات

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات