المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

مُتمرّدون على الإعاقة

 

رامي الحريري

 

هو الإنسان، من تسلّق الجبال وركب البحار، العنيد الذي لم تروّضه الطبيعة. قصصنا اليوم قديمة متجدّدة، الإعاقة فيها جريمة موجبة لإجهاض صاحبها من رحم المجتمع!

 

سأسرد لكم القصص  تباعاً حسب تسلسها الزمنيّ في خيالي بدءاً من أبجدية مُبتَكَرة كالتي خطّها الإنسان قديماً لكنها  ليست نقشاً على حجر ولا رسماً على  شجر، بل نقراً بالأنف.. تصوّروا معي أن تُكتب رواية بالأنف،  يا له من شيء مذهل!

 

فمنذ الأزل ابتدع الإنسان لغات للتواصل بينه وبين غيره، كتبَ على الطين المجفّف، ونقشَ على الصخر نقشهُ المُبدِع، نحتَ على العظام والقرون، وحفر على العاج.

ابتكر العديد من اللغات ليحفظ  فكره للأجيال القادمة.

 

لنبدأ الآن إحدى حكايا إصرار الإنسان على إثبات نفسه وسط دوّامة إحباط تحاول جاهدة أن تبتلعه.

 كان كأيّ طفل حاول أن يكتشف العالم  منذ الصغر، أن يتعلّم المشي خطوةً خطوةً ولو تعثّر، أن يرقص فرحاً تحت حبّات المطر، لكن نقصاً ما في الأوكسجين في مكان ما من الدماغ  سبّب له ما يعرف طبيّاً بالشلل الدماغي واجتماعيّاً عزلة تحت مسمّيات عدة.

 

المعتصم بالله محفوظ، شاب كما البركان، وهو القائل "تراني جالساً على الكرسي وكلّ ما بي متحرّك". لا تهمّه التسميات وعبثية المصطلحات التي يوصف بها طبيّاً أو اجتماعيّاً، فلقد انتقى تعريفاً آخر يروق له حول مفهوم الإعاقة الجسديّة وهو أنّ الإعاقة "إعاقة الفكر والخُلُق، ونحن سواسية مهما اختلفت أشكالنا".

 

 

ولد في مدينة الشرق بمحافظة الزرقاء عام ١٩٩٦. يقال أنّ للولد البكر غلاوةً لا تصفها بضع كلمات منمّقة هنا أو هناك، فلا مجال لوصف  فرحة انتظار والِدَيْ معتصم لحظة مولده وقدوم  ضيفهما الأوّل على هذه العائلة، لكن إرادة الله عزّ وجلّ خصّت هذه العائلة بطفل مفعم بالحيوية والنشاط العقليّ، لكن ما ينقصه هو الحركة الجسديّة الطبيعيّة كأقرانه. فكان هذان الوالدان  بمثابة قارب النجاة وسط بحر هائج من التخلّي المجتمعي، فمن حُسن حظه أن رزقه الله سبحانه وتعالى بوالد آمن بقدراته منذ الصغر، وأمٍّ  كانت يده التي يخطّ بها وترجمانه المحلَّف لكلماته ودقّات قلبه.

 

مرحلة الثانويّة كانت حاسمة بالنسبة له، فالطلاب من حوله ليس كما هو الحال في المراحل السابقة، فهنا الأمر مختلف، ونظرات الاستغراب سيّدة الموقف، ولسان أصحابها يتمتم من هذا الزائر على كرسيّ متحرّك.

قيل له إنك لن تنجح في امتحانات الثانويّة، ربما من قال له هذه العبارة نسي ما قاله بعد لحظات، لكنَّها رسخت بذاكرة المعتصم الذي أدرك تماماً معنى أن يكون التحدّي بينك وبين نفسك، ستدور معارك طاحنة ولن تستسلم لنفسك حتى تنتصر لها.

 

تقمُّص  دور الضحيّة مرفوض لديه، ولا يزال يذكر لحظة صدور نتائج الثانويّة، والنشوة التي أصابت روحه، فطعم النجاح جميل جداً، عندما يراهن الآخرون على فشلك. رغم الصعوبات التي واجهته في تقديم الامتحانات والتي وأدت قدراته الحقيقية، إلاّ أنه تمكّن من الحصول على قبول في إحدى الجامعات  بتخصّص هندسة البرمجيات. ولم يكتفِ بالدراسة وحسب، بل أسّس متجره الإلكترونيّ أثناء دراسته الجامعيّة، ثم افتتح شركة تسويق إلكترونيّ.

 

للمعتصم هوايات واهتمامات عدّة، فهو كاتب وروائي واثق الخطى، لا تستغربوا.. فلقد اكتشف أنّه في عالم الكتابة تولد الأفكار بقدمين سليمتين حيث لا مكان هناك لكراسٍ  متحرّكة، والحروف تنساب دون تلعثم .

له عدّة كتب طرحت في المكتبات ومن مؤلفاته "نظرات ثاقبة" و"لو كنت مكاني"، بالإضافة لرواية "عاشقة صاحب الكرسي" والتي كُتبت بربع مليون نقرة بالأنف!

 

 

ويضاف لذلك أنّه لاعب شطرنج مُحترف تمكّن من الحصول على المركز الأوّل على مستوى المملكة في عام ٢٠١١ عن فئة ذوي الاحتياجات الخاصّة.

 

يؤمن بأنّ الكتب رسالة  لا تموت،  بل تُخَلّد.

 خاض المعتصم بالله معركته ليثبت  لنا جميعاً أنّ كلمة تُلقى عبثاً قد تقلب مسار حياة الإنسان. حاول بكلّ ضعفه أن يقوّي من حوله، أوجد أبجديّته الخاصّة ليوصل لنا ما في داخله فلنُنْصِت له.

 

وكما اكتشفَ المعتصم أنّ للكلمات قدمين سليمتين، اكتشفَ عبد الرحمن سلامة أنّ البحر عالم لكلّ البشر دون تمييز.

 عبد الرحمن  إنسان مُحبّ للحياة، إصابته مكتَسَبَة في عمر الثالثة عشر، الإصابة التي جعلت أعزّ أصدقائه اليوم  كرسيّ متحرك.

 

لم يشعر بالاختلاف في بداية الأمر، لكن في العشرين أحسّ بأنه يجب أن لا يكون خارج السرب. تمرّد على إعاقته بعد كلمة قالها له طفل عابر لم يذكر اسمه حتى!

 

تعود القصّة ليوم مشمس كان يتدرّب فيه عبد الرحمن على السباحة مرتدياً "سترة النجاة"، وأثناء الاستراحة وبعد أن أشعل سيجارته مرّ طفل بجانبه، وأطال النظر إلى شيء أثار فضوله، وإشباعاً لرغبة الأطفال بمعرفة كلّ شيء اقترب الطفل  منه وسأله "عمّو مش إنت كبير.. ؟" وبعد أن سمع الإجابة التي يعرفها أصلاً، ردّ الطفل مُستغرباً: "لكان ليش حاط هي" بإشارة استهجان لسترة النجاة لجسد ضخم! كانت هذه هي شعلة النّار التي اتّقدت حينها بصدر عبد الرحمن، النّار التي لم تطفئها إلاّ مياه سواحل المحيط الهادئ في اليابان.

 

 

اليوم يُعدّ عبد الرحمن أوّل شخص من ذوي الاحتياجات الخاصّة  في الأردن يمارس رياضة الغوص؛ حيث غاص في البحر الأحمر وتمكّن من الغوص في المحيط الهادئ قبالة اليابان، بالإضافة لتكلّمه باللغتين الإسبانيّة والإنجليزيّة. ويعمل الآن على إطلاق إذاعة (صوت الشباب)، التي ستركّز على الشباب ومشاكلهم، و بخاصّة من ذوي الاحتياجات الخاصّة، هذا بالإضافة  لمشروع  (تكسي آية) الذي تأخّر بسبب ضعف الموارد الماديّة، وهو عبارة عن" تكسي دامج " يراعي الوضع الصحيّ لذوي الاحتياجات الخاصة، ويهتمّ بأدق التفاصيل حتى على مستوى أن يكون السائق مُتقناً لِلُغةِ الإشارة.

 

 

اكتشف عبد الرحمن أنّ في عالم ما تحت البحار تتلاشى الفوارق؛ فكلّنا متساوون كبشر، كلّنا نتكلم اللغة نفسها، وكلّنا نستخدم ذات الإشارات. ويعشق عبد الرحمن مغامرات الإنزال الجبليّ  ويمارس الملاكمة، وهو الآن عضو مؤسّس للاتحاد العالمي للملاكمة للأشخاص ذوي الإعاقة والذي أُنشئ سعياً لتسجيلها كرياضة معتمَدة لهذه الفئة.

 

 

وليس ببعيد عن رياضة الملاكمة تسرد لنا مجد  الهنداوي، وملامح  النّصر قد رسمت على عينيها، كيف تمكّنت من الحصول على الحزام الأسود في الكاراتيه كأوّل فتاة تحصل على هذا الحزام ممّن يعانون  من متلازمة داون، ضحكات حَفرت خدّيها كما حفرت قطرات ماء صخرة منسيّة  تحت المطر.

"مجد".. تلك الفتاة التي وُلدت في عمان  في الأوّل من يناير لعام ٢٠٠٠ والذي صادف ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المُبارَك آنذاك، تُردّد مبتسمة دائماً: "أنا وُلدت في ليلة القدر".

 

 

عانت الكثير من المشاكل الصحيّة؛ إذ خضعت للعديد من عمليّات القلب وأخرى للعيون، لكن ذلك لم يكبت رغبتها بالتميّز؛ إذ نالت الحزام الأسود في الكاراتيه لتُثبت  لنا جميعاً أنّ لكلّ إنسان طاقة روحيّة  كافية أن تجعله في المقدّمة لو أراد ذلك. وَلِمَجد هوايات ساهمت بصقل شخصيّتها  كالسّباحة والتمثيل، لكنّها تعشق التنس والرسم أكثر، أمّا التصوير فله نصيب الأسد من اهتماماتها، وتطمح لأن تُصبح مُصوّرة محترفة.

 

وكما يُقال لكلٍّ من اسمه نصيب، إذ تقف "مجد" واثقة مبتسمة تؤرّخ انتصارها كما يؤرّخ الوشم ذاكرة الجسد.

 

*جميع الآراء والأفكار الواردة في هذه التقارير لا تُعبِّر عن موقف معهد الإعلام الأردني وسياسته

التصنيف: ثقافات

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات