المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

التخصّص الجامعيّ بين مطرقة اختيار الآباء وسندان البطالة

محمد النعانعة

 

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، كلمات أصبحت شعاراً للكثيرين ممّن تناقضت رغباتهم وميولهم وقدراتهم ومهاراتهم الأكاديمية أو التقنية، مع قرارات اتخذها الوالِدَان بدلاً منهم، وساروا في طريق أجبروا عليها، ليجدوا أنفسهم في معترك حياةٍ بعيدة عن تطلّعاتهم ورغباتهم.

"محمّد" مهندس كهرباء.. تخرّج من جامعة العلوم والتكنولوجيا قبل أربع سنوات، منذ تخرّجه وهو يبحث عن عملٍ في مجال تخصّصه ولكن جميع محاولاته باءت بالفشل، إلا من بعض الأعمال المؤقتة المتقطّعة، فسوق العمل بحاجة إلى تخصصات أخرى.

 وقد أظهرت النشرة الإرشاديّة العاشرة الصادرة عن نقابة المهندسين الأردنيّين في شهرأيلول 2020، وجود إشباع في تخصّصات الهندسة الكهربائيّة وتفرّعاتها، مشيرةً إلى أنّ عدد المهندسين المسجّلين في النقابة للتخصص59984 مهندساً ومهندسةً، و11185 طالباً وطالبة على مقاعد الدراسة.

خلال مراحل دراسته وقبل وصوله للصف العاشر، كان والداه يوجّهانه دائماً للالتحاق بالفرع العلميّ، ويشعر أنّ هذا التوجيه يحمل في طيّاته نوعاً من الإجبار، ويقولان له: " إنّ الفرع العلمي يتيح لك مجالاً أوسع في اختيار التخصّص الجامعي".

أكمل الصف العاشر والتحق بالفرع العلمي نزولاً عند رغبة والديه، وكانت رغبته وطموحه ـ حتى ذلك الحين ـ  يتوافقان مع رغبتهما وطموحهما، وشعر بالاطمئنان، واعتقد أنهما سيكونان معه بعد إنهاء المرحلة الثانويّة (التوجيهي) في اختيار تخصّص يُحبّه ويرغب به.

 درس المهندس محمّد مع ابن عمه الذي يكبره بثلاث سنوات في المدرسة نفسها، إلا أنّ مسيرة ابن عمه التعليميّة كانت تتوافق مع ميوله، ولم يتدخّل أحدٌ في قرار دراسته الجامعيّة، فبعد نجاحه في التوجيهي اختار تخصّص الهندسة. يقول المهندس محمّد: "اختيارابن عمّي لتخصّص الهندسة وقراره أثّرَ بوالدي، من هنا بدأ التخطيط لمستقبلي الدراسي، ليس من قِبَلي وإنما من قِبَل والدي".

وتسكن دواخل المهندس محمّد تساؤلات لا تفارقه، وكأنها حُفِرَتْ على أروقة تفكيره، ونُسِجَت في كلماته واعتاد تكرارها...هل رغبة الآخرين ونجاحهم يفرض عليه أن يسيرعلى خطاهم؟... هل وجودهم في حياته يُحتّم أن يكون مثلهم؟ لا يعني أن يكون غيره طبيباً أو مهندساً أن يكون مثله، فالاختلافات كثيرة ومتباينة بين البشر، والتفكير، والأمنيات والطموحات لا تتشابه.

رافَقْنا المهندس محمد وهو يتسلل الى وَكْرِ ذكرياته :" والدي ـ رحمه الله ـ كان يريدني طبيباً أو مهندساً، ويرى أن ابن عمي ليس بأفضل مني، ومن العيب أن أحصل على تقدير أقل منه في التوجيهي يؤهلني للقبول الجامعي في تخصص الطب أوالهندسة، وتَشَكَّل لدى والدي مزيجٌ من الغيرة الاجتماعية المجبولة بطموحه أن أحصل على تخصص رفيع المستوى".

"عطاالله" قصّته تشبه قصّة المهندس محمّد.. فهو طالب في السنة الثالثة تخصّص مختبرات طبيّة، ميوله أدبيّة، وكان يرغب بدراسة اللغة العربية.. يقول: "والدي أجبرني منذ البداية على اختيار الفرع العلميّ، وبعد نجاحي في التوجيهي هو من اختار تخصّصي في الجامعة، وقام بتعبئة نموذج التخصّصات بنفسه".

 "عطاالله" يرى أنّ التسلّط الأبويّ أو القرار المحتَكَر في اختيار التخصّص، يرسم للطالب طريقاً من العناء لسنوات، كيف لا؟ وقد وَأَدَ حلم حياته في مقبرة قرارٍ اتّحذه والده دون أدنى مشاركة منه، وهذا ماحصل معه، يدرس التخصّص الذي اختاره له والده في جامعة الحسين بن طلال، ولو رجع به الزمان وكان الخيار بيده لاختار الالتحاق بتخصّص اللغة العربيّة وآدابها، وسار في الطريق الدراسيّ الذي أحبّه.

أبو سفيان (والد عطالله)، من مؤيّدي أنّ الوالد هو من يجب أن يختار التخصّص لابنه، ويرسم له طريق المستقبل، فهو أعلم بمصلحته، لأنه عارَك الحياة وخَبرَها، والابن من وجهة نظره ما زال صغيراً على اتّخاذ قرار صائب، والرغبة بتخصّص ما ودراسته ستتلاشى وتذوب بمرور الأيّام، ومشاغل الحياة كفيلة أن تجعل الجميع ينخرطون بوضعهم الذي وصلوا إليه.

أكمل المهندس محمّد التوجيهي، وقُبِلَ في الجامعة في تخصّص الطب البيطري، ودرس هذا التخصّص لمدة سنة، لكنه حوَّل تخصّصه إلى الهندسة الكهربائيّة بعد موقف حصل معه في باص القرية أثناء عودته من الجامعة.

ويَصِفُ المهندس محمّد لحظات ذلك الموقف بكلمات ممزوجة بابتسامة خفيفة: " كنتُ منهَكاً في ذلك اليوم من الدراسة والتنقّل من قاعة إلى أخرى، وبعد انتهاء محاضراتي توجّهتُ إلى الباص الذي أَسْتَقِلَّه في رِحْلَتَي الذهاب والإياب من الجامعة وإليها، وكان الباص على وشك الحركة، وقد امتلأت جميع المقاعد باستثناء مقعد واحد، صعدت الباص وتوجهت لذلك المقعد، وجلستُ الى جانب رجل مُسِنّ، وبعد صمتٍ لم يدم طويلاً، بدأ ذلك الرجل بطرح أسئلةٍ عَلَيَّ بين الفينة والأخرى، من بينها سؤال عن تخصّصي في الجامعة، فأجبته طب بيطري، فَرَدَّ عَلَيَّ: "انت من الجماعة  اللي بِوَلْدوا البقر والحمير والبغال"؟.

 أَثَّرَت به كلمات الرجل المسنّ، وتجسّدت ناقوساً يدقّ في مسامعه، وبركاناً يثور في مسامات جسده، وبدت له وجهة نظر الرجل هي ذاتها وجهة نظر كلّ فرد من أفراد المجتمع، وقرّر من لحظتها تغيير تخصّصه، وبات مستحيلاً أن يتراجع عن قراره.

 وعند وصوله البيت وقبل أن يجلس توجّه إلى والده، وصَرَّحَ له بهذا القرار، ووجد صدوداً كبيراً كما توقّع، ومع إصراره اشترط والده أن يكون التغيير لتخصّص الهندسة فقط، وإلا البقاء بالتخصص ذاته، ويقول المهندس محمد: " قدّمتُ طلباً للجامعة بتغيير تخصّصي، ولِحُسن حظّي تمّت الموافقة وتمّ تحويلي لتخصّص الهندسة الكهربائيّة، ولو رُفِضَ الطلب لم يكن والدي ليقبل بتخصص آخر".

تكنولوجيا المعلومات ( ( IT هو التخصّص الذي طَمِحَ المهندس محمّد بدراسته، فهو الأفضل والأقرب لرغبته وميوله، والأكثر استقطاباً للعمل في السوق المحليّ والإقليميّ، حاول مع والده بكل السبل وبكل طاقةٍ وجهدٍ أن يَدْرُسَهُ، لكنه قوبل بالرفض، فالقرار محسومٌ سلفاً، وقد آن وقت حصاد هذا القرار، وانضم إلى صفوف العاطلين عن العمل، ولبس عباءة البطالة، واكتوى بلهيب الأعمال المؤقتة الهاضمة للحقوق، البعيدة كلّ البعد عن الهندسة الكهربائيّة.

 عمل المهندس محمّد أعمالاً متعددة وكان كثيرأً ما يسترجع شريط الذكريات، يُقَلّبه ببصره وبصيرته، وقد باتت اللحظات ثِقَال، والأيّامُ تمضي سِراعاً تَجُرُّ معها الأشهر والسنين، وها هم أقرانه ممّن حصلوا على درجات أقلّ منه واختاروا التخصص بأنفسهم، قد انخرطوا في سوق العمل منذ سنوات، واستقرّوا في أعمال ووظائف حفظت حقوقهم، وكَوَّنوا أنفسهم وسارت بهم عجلة الحياة في طريقهم التي اختاروا.

السيّدة آمنة أرملة منذ عشر سنوات، ترك لها زوجها ولداً وبنتاً، لم تتدخّل يوماً في اختيارات أبنائها ورغباتهم وميولهم، فهم من رسموا وخَطّوا مستقبلهم التعليميّ، وكانت من المشجّعين لهم للوصول إلى أهدافهم، ودائماً ما تبحث عن المحفزات التي توجّههم نحو التميّز والإبداع، انطلاقاً من أنهم اصحاب القرار، والنجاح من وجهة نظرها يعتمد على القرار النابع من القناعة، الهادف للوصول إلى النهاية المرغوبة، فابنتها هديل أنهت مرحلة التوجيهي فرع الاقتصاد المنزليّ هذا العام، وقُبِلت في الجامعة، ولم تتدخّل في قرارها باختيار فرع دراستها قبل التوجيهي وتخصصها الجامعي، وهي على يقين تام من تفوّق ابنتها في قادم أيّامها، وهديل سعيدة جداً بأسلوب أمّها في التعامل معهم، وتتخذها الأنموذج الذي تحتذي به في حياتها.

  

* جميع الآراء والأفكار الواردة في هذه التقارير لا تُعبِّر عن موقف معهد الإعلام الأردني وسياسته.

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات