المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

السياحة المُجتمعيّة.. فرصة حيويّة لسكّان القرى والأرياف الأردنيّة

دانا المصري

"صارت مكافأة نهاية الأسبوع واقعاً جديداً تحتم علينا"... هذا ما قالته أم ديالا عن الأجهزة اللوحيّة التي كانت تكافئ طفلتيها بها نهاية كلّ أسبوع لقضاء بعض الوقت، أمّا الآن فالأجهزة اللوحيّة لا تغادر أيديهما، ففي الصباح لحضور الحصص المدرسيّة وما بعد الظهر لحلّ الواجبات والتحضير، ليس هذا فحسب بل إنّ وقت الفراغ الذي تملكانه، بعد إنهاء الحصص والواجبات تقضيانه على شاشة التلفاز، أيضاً، وبهذا فإنّ عيونهما لا تغادر الشاشات الإلكترونيّة التي أصبحت واقعهما الجديد.

وتضيف أم ديالا أنّ الطاقة التي كانت تشعرها بالبيت لم تعد كالسابق، فمنذ الإعلان عن خطط الحجر انقلبت حياة طفلتيها رأساً على عقب بحسب قولها، حيث لم يعد بإمكان الطفلتين اللعب مع أصدقائهما بالمدرسة ولا الذهاب إلى دور السينما والأماكن الترفيهيّة والمتنزّهات وغيرها العديد من الأماكن، فكلّ مكان كانت ترتاده الطفلتان أصبح محفوفاً بخطر الإصابة بفيروس كورونا.

ومن هنا بدأت أم ديالا بالبحث عن نشاط آمن تستطيع إشراك طفلتيها به، لتستطيع تغيير الجوّ العام الذي خيّم على المنزل نتيجة تعليمات التباعد الاجتماعيّ والعزل الوقائي التي التزمت بها العائلة منذ بداية الجائحة.

 وتقول أم ديالا: "لفتني أثناء البحث مشروع يُعنى بالسياحة المجتمعيّة والزراعيّة، وعند التواصل مع أصحابه والتعرّف على طبيعة أنشطتهم أعجبتني الفكرة، وأدركتُ من خلالها الحاجة إلى مثل هذه المشاريع التي تُعزّز علاقتنا بالأرض، ليس هذا وحسب بل إنها تعمل على دمج المجتمعات المحليّة عن طريق إشراكها ببرنامج الجولات السياحية لتسويق منتجاتها وتعريف الأطفال والعائلات على أسلوب الحياة الريفيّة والبيئة المحيطة.

كان "يوم من العُمر".. تصف أم ديالا شعورها بعد أن ذهبت مع عائلتها لقضاء يوم في الريف مع أهالي المجتمعات المحليّة.. وتضيف: "وكيف لا يكون وقد رأيت السعادة الغامرة والامتنان العميق في وجه طفلتي، فقد كانت أوّل تجربة لهما في جمع البيض، وحلب الأبقار والماعز، وقطف العسل، وعمل أقراص العيد والمناقيش وغيرها الكثير من الأنشطة".

وخلال بحثنا عن إحدى المنصّات التي تنظّم مسارات سياحيّة للمجتمعات المحليّة تواصلنا مع ردينة حداد وهي صاحبة أحد المشاريع التي تُعنى بالسياحة المجتمعيّة والزراعيّة، الذي بدأته هي وزوجها أنور زريقات في يوليو 2015 كمنصّة لترويج أنشطة السياحة المجتمعية والأنشطة الزراعية، وربط الزائر بمجموعة من تجارب السياحة الريفية.

تقوم ردينة وزوجها من خلال موقعهما الإلكترونيّ وطبيعة عملهما بتسليط الضوء على أهميّة السياحة المجتمعيّة والزراعيّة والترويج لها، كما تقوم على ربط الشركات والسُيّاح بأصحاب المجتمعات المحليّة لتسويق منتجاتهم، فالعديد من السُيّاح يبحثون عن تجربةٍ جديدة تُمكّنهم من الانخراط في ثقافة أهالي المجتمعات المحليّة وحياتهم، حيث يحمل هذا النوع من السياحة فرصاً للتواصل مع تاريخ المنطقة وثقافتها والتفاعل مع سكّانها عن طريق الانخراط في تجارب تُمكّنهم من قضاء الوقت مع أهالي المجتمعات الريفيّة والتعرّف إلى أساليب عيشهم.

السياحة المجتمعيّة في الأردن من النماذج القديمة الجديدة، وهي موزّعة على أقاليم المملكة من شمالها إلى جنوبها، فهناك مشاريع لدعم السياحة المجتمعيّة وترويجها في شمال الأردن، تحديداً في مناطق عجلون وأم قيس، ومشروع يُعنى بالترويج للسياحة المجتمعيّة في قرى مدينة السلط وأريافها، وآخر يُعنى بالترويج للسياحة الزراعيّة بغور المزرعة جنوب الأردن.

وفي جولة استكشافيّة لقرية جلعاد من قرى مدينة السلط، يستطيع الزائر لتلك المنطقة رؤية الطبيعة الخلابة من فوق الجبال المرتفعة، ويستنشق الهواء العليل بعيداً عن ضوضاء المدينة. ونكمل الرحلة هناك لنلتقي أخيراً أم نضال وهي إحدى سيّدات المجتمع المحلّي في قرية جلعاد، وإحدى المُستفيدات من مشروع السياحة المجتمعيّة. تنظر إلى أم نضال المرأة الخمسينيّة ذات الوجه البشوش وهي تستمتع بتفاصيل حياتها الريفيّة البسيطة، لكن شقوق يديْها تروي قصةً طويلةً من الجهد والتعب، فهي أم لأربعة أبناء وأربع بنات.

تستيقظ أم نضال وعائلتها في الصباح الباكر ويتقاسمون المهام، فتعجن أم نضال خبز الشراك وتخبزه على الصاج في روتين شبه يومي، ويقوم أبناؤها بحلب الأبقار والماعز، أمّا بناتها فيقمن بجمع البيض وإعداد وجبة الفطور المكوّنة من خيرات الطبيعة؛ فاللبنة، واللبن، والزبدة، والسمن، والجبنة التي تقوم أم نضال بصنعها بطرق معيّنة من حليب الماعز والأبقار، وبالنسبة للبيض فهو "بلدي" من دجاجهم، والزيت والزيتون والزعتر من محصول أرضهم، و"المقدوس" والمربى من صنع أم نضال أيضاً.

وعندما تحدَّثنا مع أم نضال عن التغيير الذي حصل نتيجة ضمّ منزلها للمسار السياحيّ ليستقبل العشرات من السُياح، ردّت بأنّ مجتمعات الأرياف بالأصل مجتمعات مضيافة وودودة، وأنّ هذا المشروع ساعد السياح من الأجانب وسياح المجتمعات المحليّة الأخرى للاندماج في نمط الحياة الريفيّة والتعرف إلى ثقافتها وطبيعة المنطقة ولو ليوم واحد، فبالرغم من أنّ السياح يمضون ثلاث ساعات وأحياناً أكثر من ذلك في بيت أم نضال إلّا أنَّ العديد منهم يعود لزيارتها بدل المرّة الواحدة مرّتين وثلاثة. وتقول أم نضال: " بدل ما نروح نبيع منتجاتنا بالسوق صارت الناس تيجينا عالبيوت". وتضيف أم نضال أنها منذ انضمامها لمشروع الزراعة المجتمعيّة فإنّ الزبائن من السُيّاح هم من يذهبون إليها للحصول على منتجاتها، "الحمد لله المشروع ساعدنا بحلّ كثير مشاكل وكان يجي منه دخل ممتاز".

لكن للظروف الراهنة وتحدّيات جائحة "كورونا" التي طالت الجميع دون تمييز، فقد كانت أم نضال وعائلتها من الذين تضرّروا من الجائحة، فلم يعد الإقبال كالسابق بحسب قولها. فبعد أن كانت أم نضال تستقبل من ثلاث إلى أربع حافلات نقل مليئة بالسيّاح بشكل شبه يوميّ إلّا أنهم باتوا يستقبلون مجموعات عائليّة صغيرة جداً وفي فترات متقطعة، ممّا أثّر على دخل العائلة بأكملها.

وعبّرت أم نضال عن رغبتها الشديدة بتبنّي وزارة السياحة لمشاريع السياحة المستدامة، وذلك لما تُوفّره من فرص عمل ودعم لسكّان المجتمعات المحليّة، إذ يُصبح هذا النوع من السياحة رائجاً بين المواطنين وتُصبح ثقافة دعم المنتجات المحليّة ثقافة مجتمعات بأكملها، لتعزّز وتوثّق علاقتها بالأرض، فالسياحة المجتمعيّة تُشجع العمل الحرّ كما تُساعد الناس على تنمية احترام الطبيعة، وتُحفّز المزارعين على الحفاظ على مزارعهم والبقاء في الأعمال الزراعيّة باستخدام مهاراتهم لإنتاج منتجات أصلية، ويتبادلون خبراتهم وقصصهم مع الزوّار من السيّاح ويحصلون على مصدر إضافي للدخل.

وليس آخراً.. هناك الآلاف من العائلات حالها كحال أم نضال وعائلتها.. الآلاف ممّن يعيشون في الأرياف والمجتمعات المحليّة الموزّعة من شمال الأردن إلى جنوبها، ويعتمدون في منتجاتهم على الأرض وقطعان الأغنام فيحتفظون بقوت يومهم ويبيعون ما تيسّر لهم لسدّ احتياجاتهم.

 

* جميع الآراء والأفكار الواردة في هذه التقارير لا تُعبِّر عن موقف معهد الإعلام الأردني وسياسته.

التصنيف: ثقافات

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات