المواد و الآراء و التعليقات الواردة في الموقع تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تمثل بالضرورة معهد الإعلام الأردني

شريط الاخبار

"التعليم عن بُعد".. مُراهقون يروون تجاربهم

محمد مازن الناصر

 

في آذار الماضي، استيقظ عليّ من النوم صباحاً، في الساعة التي اعتاد أن يستقيظ عندها كل يوم، بدأ يفتح عينيه ولم ير النور الذي اعتاد أن يراه في كلّ يوم دوام في المدرسة، تمعّن في النافذة فلم يجد ضوء الشمس يدخل إلى غرفته، رغم أنّ اليوم لديه دوام في المدرسة، ولم يسمع صوت فتح (الأباجور) المعتاد الذي يأتي كلحن مرافق لصوت والده وهو يقول: "علي... قوم إصحى على المدرسة ... يالله" . فتذكّر أنّ اليوم هو الأوّل في التعليم عن بُعد بسبب جائحة "كورونا"، فقام عليّ من الفراش وذهب إلى مكتبه وقام بتشغيل الحاسوب ودخل إلى الحصّة، ثمّ ترك حاسوبه وعاد إلى نومه العميق.

عليّ طالب في المدرسة وعمره 16 عاماً، ذو شعر كثيف أشعث، عاشق الحاسوب والتكنولوجيا، تحقّق له حلم بأن تكون المدرسة عن طريق الأجهزة الإلكترونية وعن بُعد. كم كان هذا الخبر مفرحاً ومبهجاً لعليّ وأصدقائه، وأصبح كغيره من أقرانه ينتظر أن تسجّل أيّة حالة إصابة بكورونا حتى لا يعود التعليم وجاهيّاً، كلّ من بيته، وخلالها يصبح اللعب واستخدام الهاتف الجوّال والأكل في أيّة لحظة ممكناً. بدأ عليّ يستمتع بتطوير مهاراته التكنولوجية، فأصبح يدخل شخصيات غريبة إلى المحاضرة الافتراضية، تارةً يدخل مخلوقا فضائيّاً للحصّة ويغيّر صوته ويبدأ بالحديث، وتارةً يدخل شخصيّة مشهورة في خطاب ما، وأخرى يتفاجأ الحضور بمهاتما غاندي موجوداً معهم في الحصّة ممّا كان يثير غضب المعلّمين ويرفع أصوات ضحكات الطلاب لإعجابهم بإبداع عليّ.

قيس وعمره 17 عاماً، كانت له سنة غير اعتياديّة فهذه هي السنة الأخيرة في المدرسة، وتبقى بضعة شهور للتخرّج من المدرسة، ولا بدّ أن ينجح في هذه السنة. كانت تجربة قيس قريبة من تجربة عليّ، فكانت المقالب هي المفرّ الوحيد من الحصص وفي الوقت ذاته هي نفسها ما يشجّعهم على حضورها. هذه الأجواء جعلت التأثير الإيجابيّ للبيئة الصفية غائباً عن العمليّة التعليميّة.

المستشارة النفسيّة الأكاديمية تهاني غيث وصفت التعليم عن بُعد بأنه يفتقر إلى عنصر المواجهة المباشرة بين الطالب والمعلّم وبالتالي يقلّل من كفاءة عملية التعليم، كما أنّ التفاعل بين الطالب والمعلم مفقود، ففي هذا الفضاء لا يوجد خيال أو مشاعر أو تعبيرات عند المعلّم وهي معايير للمعلّم الناجح، مقابل تراجع دافعيّة الطالب المعرفيّة للدراسة من ناحية القدرات والسلوك ما يؤثر على ثقة الطلبة، وبخاصّة المراهقين منهم، بالتعليم عن بعد.

كما أنّ عدم جهوزية المعلّم للتعامل مع التكنولوجيا المتاحة عند بعض الأهل أو عدم توفّر الوقت عند غيرهم من أولياء الأمور، والشعور بأنّ التعليم عن بعد هو أمر مؤقت جعل الطالب يفقد الشعور بالأمان وبالثقة بالمعلّم، والأهل، والمدرسة، والعمليّة التعليميّة عن بُعد. لقد سبّب هذا الشعور أثراً نفسيّاً عند الطالب وأصبح يتهرّب من هذه الأزمة عن طريق "المقالب" المضحكة من وجهة نظره، كما وقد يتوجّه الطالب الذي يحب التكنولوجيا إلى تطوير مهاراته من خلال ابتكار طرق جديدة لعمل المقالب باستخدام التكنولوجيا، فيصبح مشهوراً بين طلاب صفّه.

وختمت تهاني كلامها بأنّ مرحلة المراهقة مهمّة جداً لتواصل الطالب مع أقرانه بشكل حقيقيّ، وخلاف ذلك من الممكن أن يدخل الطالب في حالات نفسيّة تصل إلى حدّ الكآبة.

"المدارس والمعلّمين مش فاهمين إنه إحنا منصير مراهقين مرة وحدة بالعمر وفترة المراهقة مش معناها أقعد قبال الشاشة على طول"، هكذا عبّرت كرمة وهي طالبة عمرها 15 عاماً عن رأيها بالتعليم عن بُعد.

كرمة كانت سعيدة مثل باقي أقرانها بأوّل فترة الحظر، إلا أنّ الملل من الشاشة بدأ يتسلّل إلى نفسها ما جعلها تدخل الحصّة لغايات إثبات الحضور والحصول على علامات المشاركة لا أكثر. وأصبحت تشعر بضغط كبير من الدراسة وطريقة التعليم، حتى مادة الفيزياء أصبحت نظريّة، والمدرّسون الجدد لا يعروفوا الطلاب والشاشة غير كفيلة بأخذ الصورة الصحيحة عن الطالب، مما بثّ شعوراً بعدم الثقة والغبن غير المقصود.

كرمة فقدت رغبتها بالتعامل مع النّاس وأكملت بصوت متذبذب ينتابه الحزن ويُغلّفه الإحباط: "هاي السنة أنا مش فاهمة إشي، كلّ النّاس والمدرسة والبيت بحطّونا بضغط وما حدا فاهم إنه إحنا مش فاهمين".

يقول وزير التربية والتعليم الأسبق، العين الدكتور وجيه عويس، إنّ الثقة تأتي بالتعاون بين جهتين وليس من جهة وحيدة فقط. ولتكوين الثقة في مسألة التعليم عن بُعد يجب أن تقتنع الأطراف بأنّ هذا الأسلوب فيه فائدة، وأنّ تكون البنية التحتيّة مُهيّأة للأطراف كافة وبشكل متساوٍ، بالإضافة إلى أن يكون التعليم سهل المنال أي لا يحتاج إلى تدريبات معقّدة.

ويضيف عويس: داهمتنا الجائحة وأجْبَرَرنا على التعليم عن بُعد، ولم نستطع استخدامه بالشكل المطلوب لأننا لم نجهّز أنفسنا؛ فالتعليم عن بُعد يحتاج إلى كهرباء وشبكات إنترنت وبنية تحتيّة قويّة تتحمّل هذه العمليّة، إلى جانب أجهزة حاسوب يصعب على الكثيرين من الطلاب الحصول عليها بسبب الأوضاع الماديّة، فضلاً عن الحاجة إلى التدريب على استخدام البرامج التقنية وطريقة العرض لكلّ من الطالب والمعلّم، مشيراً إلى أنّ جائحة "كورونا" باغتت الجميع ولم نستعدّ لها، خصوصاً وأنّ ثقافة التعليم عن بُعد لم تكن موجودة لدينا من قبل .

بعض الدول الغربية التي لديها ثقافة التعليم عن بُعد، تمتلك البنية التحتيّة التي تساعد في إنجاح هذه العمليّة، لاسّيما وأنّ المادة المطروحة للحصّة تكون مدروسة تماماً بكفاءتها وسهولة إيصالها إلى الطالب، وأنّ المساقات الدراسية التي تُعطى عن بعد لا تزيد عن 20% - 30% من حجم المادة التعليميّة.

طوال السنة الدراسيّة السابقة كان الطالب عليّ مستمتعاً بفكرة التعليم عن بُعد، إلا أنه اليوم، ومع اقتراب الامتحانات، بدأ يكتشف أنه لا يذكر الكثير من المعلومات، وحتى والده عبر عن إستيائه عمَا يواجهه ابنه، فهو لا يستطيع أن يتفاعل مع التعليم عن بعد وأثَر ذلك على نتائجه وتحصيله العلمي، فبعد ست ساعات يوميّة وراء الشاشة فقد اهتمامه ودافعيّته للدراسة.

اليوم وبعد تسعة شهور من بداية التعليم عن بعد، وبصوت خائف من مستقبل ضبابيّ ونبرة حزينة، بدأ عليّ يسرد اشتياقه إلى أن يستيقظ كلّ صباح على صوت (الأباجور) وصوت والده وهو يقول له: "قوم إصحى على المدرسة"، وأن يقوم من فراشه ليغسَل ويصبح في قمة نشاطه الصباحي، ويرتدي ملابسه استعداداً للخروج إلى المدرسة ويتناول وجبة الإفطار ويذهب لرؤية أصدقائه ومعلّميه في المدرسة بشكل وجاهي.

* جميع الآراء والأفكار الواردة في هذه التقارير لا تُعبِّر عن موقف معهد الإعلام الأردني وسياسته.

التصنيف: ثقافات

أضف تعليقاً

لا توجد تعليقات